محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

82

كشف الأسرار النورانية القرآنية

تختلف في كونها صلبة أو مائعة أو سائلة مرنة أعني هوائية أو سائلة غير قابلة للضبط ولا للوزن ، وبحثنا عن التي تتعلق بالأجزاء السائلة والهوائية من كرتنا بحثا جغرافيا . وقد تقدم الكلام عليه ولنبحث الآن في جزئها الجامد فنقول الذي يظهر أن التقلبات والتغيرات التي تكابدها الكرة إنما تحصل في هذا الجزء فقط ، وأن الدنيا القديمة تختلف بالكلية عن الدنيا الجديدة ، بل الدنيا الجديدة الموجودة بين القطبين لا تشبه بوجه من الوجوه البر المتصل الجنوبي ولا الأرض الموجودة عند القطب الشمالي ، وأن الجبال ليست متماثلة في الاتجاه ، وأن السهول والأودية لها اختلافات شتى ، وبالاختصار فعدم انتظام الأشياء متسلطن في ذلك الجزء فقد يعسر أو يستحيل أن يوجد تماثل وتساو تام بين شيئين متوازيين بحسب ذلك ، وهذا كله ناشئ من التقلبات والتغيرات التي تحصل دائما في الأرض ، والظاهر أن هذه الصخور الموجودة في تلك الكرة تبلورت من قديم في سائل لم يوجد الآن في الكون ما يدل عليه ولا ما يوفقنا على حقيقته . قال بعض المؤلفين : إذا كان الأمر كذلك فلا يكون هذا السائل إلا سائلا ناريا مائيا أي ماء مبيضا بالنار بعد الاحمرار ، وعرض لضغط شديد جدا بحيث لا يمكن تصعيده وانتشاره في الفضاء فأثر على الأجرام المذابة فيه بقوة مساوية لقوته الانبساطية ولا يمكننا حسبان تلك القوة ؛ إذ الماء الذي هو على هيئة بخار في حرارة مساوية لحرارة الحديد الأحمر ، وهي ثلاثمائة وسبع درجات من مقياس ريمور يرفع وزنا مساويا لوزن مائة وثلاثين ألف جو ، ويرفع في حرارة أربعمائة وخمس وستين درجة من ذلك المقياس وزنا ساويا بالأربعة وأربعين مليونا من الجو . انظر ما مقدار القوة العظيمة لهذا الماء المبيض بعد الاحمرار إذا كانت درجة حرارته مساوية لحرارة ذوبان الذهب أعني ألفين وثلاثمائة وسبعا وعشرين درجة ، وهذا كله جائز متى أثرت قوة شبيهة بما ذكر ، وهذا الماء الأبيض قد ذكر فيما تقدم في بحث البحر المسجور ، ثم إن تلك الصخور يتحلل تركيبها سريعا بمماسة الماء والهواء والضوء ، وقد تتراكب عليها صخورا أخر تكون أولا على هيئة طبقات متوازية للسطح الذي رسبت واستندت عليه ، ثم تتسلطن عليها تقلبات وصروف دهرية تفسد انتظامها وتغير معالمها ، والفواعل لهذه التقلبات مجهولة أيضا كأزمنتها . والفيلسوفي المشتغل بالبحث عن الكائنات لا يمل من منظر تلك الهيولي ، بل يبحث عن الأجزاء التي يمكنه الوصول إليها مع غاية الانتباه ، ثم يجمع أعماله ويقابل بينها ويستنتج منها نتائج صحيحة بدون أن يفتش على توضيح تلك الأعمال نفسها وبدون أن يعتني بربطها